الباحث الشرعي: بهاء الدين شلبي.

يزعم بعض السحرة الذين يدعون التوبة وصدقهم كثير من الناس واغتروا بكلامهم أنهم كانوا يرسلون خدام السحر إلى المسحور فيرجعون إليه قائلين: لم نراه لأنه محصن بالقرآن الكريم .. ومن ليس له حظ من علم العلاج ويتبع الدين بهواه لا بالنصوص الشرعية وصريح دلالتها يصدق هذا الكلام الذي يلامس القلوب ويجافي العقول

نعم جميعا بلا مخالف أن أحصن خلق الله عز وجل هم الأنبياء والمرسلين وما من نبي إلا عادته سحرة شياطين الإنس والجن وتحالفوا ضدهم وضد دعوتهم لقوله تعالى: ﴿وَكَذَ ٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِیٍّ عَدُوࣰّا شَیَـٰطِینَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ یُوحِی بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضࣲ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورࣰاۚ وَلَوۡ شَاۤءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا یَفۡتَرُونَ﴾ [الأنعام ١١٢]

فلم يسلم نبي من الأنبياء من تسليط السحر والشياطين عليهم فلم يضروا أحدا منهم إلا بإذن الله تبارك وتعالى .. وأول من سحر له كان آدم عليه السلام وزوجه .. فيحر لهما الشيطان (سحر الوسوسة) وورثته ذريتهما من بعدهما إلى يوم القيامة

قال تعالى: ﴿فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّیۡطَـٰنُ لِیُبۡدِیَ لَهُمَا مَا وُۥرِیَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَ ٰ تِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّاۤ أَن تَكُونَا مَلَكَیۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَـٰلِدِینَ﴾ [الأعراف ٢٠]

وقال تعالى: ﴿فَوَسۡوَسَ إِلَیۡهِ ٱلشَّیۡطَـٰنُ قَالَ یَـٰۤـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكࣲ لَّا یَبۡلَىٰ﴾ [طه ١٢٠]

فلم يسلم أحد من نسلهما من الوسوسة حتى الأنبياء والمرسلين فنزلت سورة الناس تؤكد هذا لذلك فمن علامات السحر والأذى الشيطاني كثافة (أسحار الوسوسة) يقظة ومناما

قال تعالى: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ۝١ مَلِكِ ٱلنَّاسِ ۝٢ إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ ۝٣ مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ ۝٤ ٱلَّذِی یُوَسۡوِسُ فِی صُدُورِ ٱلنَّاسِ ۝٥ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ ۝٦﴾ [الناس ١-٦]

كذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يوسوس له الشيطان بالشر كسائر الناس قبل أن يسلم فصار لا يأمره إلا بخير

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما مِنكُم مِن أحَدٍ إلَّا وقد وُكِّلَ به قَرينُه مِنَ الجِنِّ، قالوا: وإيَّاك يا رَسولَ اللهِ؟ قال: وإيَّايَ، إلَّا أنَّ اللهَ أعانَني عليه فأسلَمَ، فلا يَأمُرُني إلَّا بخَيرٍ. [وفي روايةٍ]: وقد وُكِّلَ به قَرينُه مِنَ الجِنِّ وقَرينُه مِنَ المَلائِكةِ). [1]

ويلزم من قوله (إلَّا أنَّ اللهَ أعانَني عليه فأسلَمَ، فلا يَأمُرُني إلَّا بخَيرٍ) أن قرينه صلى الله عليه وسلم كان يوسوس إليه فيأمر بشر قبل أن يسلم فلما أسلم صار لا يأمره إلا بخير

مسألة:
وقع الخلاف بين العلماء: إن كان المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم سَلِمَ من شر قرينه أم أن القرين نفسه أسلمَ؟ ويبدو أن لفظ الحديث (فأسلَمَ) بفتح الميم يرجح المعنى الثاني؛ وهذا بحسب الرواية المشهورة أي: أسلمَ القرينُ، فيعود الفاعل على أقرب مذكور ألا وهو القرين.

أما إن كان المراد من الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سَلِمَ من شر قرينه، لكان الأقرب أن يقال: (فأسلَمُ) بضم الميم أي فأسلمُ أنا من شره. ويؤيد هذا الفهم قوله بعد ذلك: (فلا يَأمُرُني إلَّا بخَيرٍ) إذ إن الذي يأمر هو القرين، مما يجعل السياق متسقًا مع كون المراد: أن القرين أسلم، فلا يأمر إلا بخير.

ويؤيد هذا الاتجاه أن القرين كافر في الأصل، فلا يتصور أن يأمر بخير وهو على كفره، ولا يستقيم اجتماع الضدين شيطان كافر فلا يأمر إلا بشر ويأمر بخير في نفس ذات الوقت، إلا إذا قيل إنه أسلم أولًا ثم ترتب على ذلك صدور الخير منه.

كذلك سحر لموسى عليه السلام سحرين مرتبطين ببعضهما البعض في وقت واحد (سحر تخييل) و(سحر تخويف) لقوله تعالى: ﴿قَالُوا۟ یَـٰمُوسَىٰۤ إِمَّاۤ أَن تُلۡقِیَ وَإِمَّاۤ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ ۝٦٥ قَالَ بَلۡ أَلۡقُوا۟ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِیُّهُمۡ یُخَیَّلُ إِلَیۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ ۝٦٦ فَأَوۡجَسَ فِی نَفۡسِهِۦ خِیفَةࣰ مُّوسَىٰ ۝٦٧ قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ ۝٦٨﴾ [طه ٦٥- ٦٨] .. وكذلك سحر للناس فقال تعالى: ﴿قَالَ أَلۡقُوا۟ۖ فَلَمَّاۤ أَلۡقَوۡا۟ سَحَرُوۤا۟ أَعۡیُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَاۤءُو بِسِحۡرٍ عَظِیمࣲ﴾ [الأعراف ١١٦]كما يجوز أن يطلق على (سحر التخويف) (سحر الترهيب) لقوله (وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ).

كذلك سحر الشيطان لأيوب عليه السلام بنصب وعذاب لقوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَاۤ أَیُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥۤ أَنِّی مَسَّنِیَ ٱلشَّیۡطَـٰنُ بِنُصۡبࣲ وَعَذَابٍ﴾ [ص ٤١] .. وإن قوله (مَسَّنِیَ ٱلشَّیۡطَـٰنُ) أي أصابني الشيطان (بِنُصۡبࣲ وَعَذَابٍ) وهذا بإذن الله عز وجل لا بحول الشيطان وقدرته لقوله تعالى: (وَمَا هُم بِضَاۤرِّینَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ) [البقرة ١٠٢] .. وقد ورد ذكر المس بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِینَ یَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا یَقُومُونَ إِلَّا كَمَا یَقُومُ ٱلَّذِی یَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّ [البقرة ٢٧٥]أي أن فعل تخبط الشيطان بالإنسانمن أعراض الإصابة بالأذى فحرف (مِنَ) في قوله (یَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّ) يفيد التبعيض، أي أن هذا النوع من التخبط هو جزء من آثار هذا الأذى الشيطاني فلا يحصره في شكل واحد بعينه .. وهذا لا يتحقق إلا بعد إذن الله تبارك وتعالى بوقوع الضرر

فالأصل أن (السحر هو صناعة) أي فعل مقصود بترتيبات محددة بوقوع (ضرر) معين وهو الغرض من السحر، بينما (المس هو أذى السحر) أي ما يترتب عليه من آثار و(أعراض) يعاني منها الإنسان كالتخبط والنصب والعذاب والوسوسة وغير ذلك مما ينتج عن هذا التأثير .. ومن تلك الأعراض والآثار يمكن للمعالج تشخيص نوع الإصابة وتحديد طريقة علاجها … وبناءً على ذلك لا ينظر إلى المسّ بوصفه حالة مستقلة بذاتها عن السحر تحتاج لعلاج يختلف عن علاج السحر .. بل بوصفه مجموعة من الأعراض الناتجة عن تأثير السحر تختلف شدتها وصورها بحسب الحالة وتطورها

والنبي صلى الله عليه وسلم سحر له لقول أم المؤمنين عائشة أنه كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سُحِرَ، حتَّى كان يَرى أنَّه يَأتي النِّساءَ ولا يَأتيهنَّ، قال سُفيانُ: وهذا أشَدُّ ما يَكونُ مِنَ السِّحرِ، إذا كان كَذا، فقال: (يا عائِشةُ، أعَلِمتِ أنَّ اللهَ قد أفتاني فيما استَفتَيتُه فيه، أتاني رَجُلانِ، فقَعَدَ أحَدُهما عِندَ رَأسي، والآخَرُ عِندَ رِجلَيَّ، فقال الذي عِندَ رَأسي للآخَرِ: ما بالُ الرَّجُلِ؟ قال: مَطبوبٌ، قال: ومَن طَبَّه؟ قال: لَبيدُ بنُ أعصَمَ -رَجُلٌ مِن بَني زُرَيقٍ حَليفٌ ليَهودَ كان مُنافِقًا- قال: وفيمَ؟ قال: في مُشطٍ ومُشاطةٍ، قال: وأينَ؟ قال: في جُفِّ طَلعةٍ ذَكَرٍ، تَحتَ راعوفةٍ في بئرِ ذَروانَ)، قالت: فأتى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم البِئرَ حتَّى استَخرَجَه، فقال: (هذه البِئرُ التي أُريتُها، وكَأنَّ ماءَها نُقاعةُ الحِنَّاءِ، وكَأنَّ نَخلَها رُؤوسُ الشَّياطينِ)، قال: فاستُخرِجَ، قالت: فقُلتُ: أفلا؟ -أي تَنَشَّرتَ- فقال: (أمَّا اللهُ فقد شَفاني، وأكرَهُ أن أُثيرَ على أحَدٍ مِنَ النَّاسِ شَرًّا). [2]

فلا حصانة تمنع الساحر من صناعة السحر ولكن الشياطين لا تضر أحدا بسحرها إلا بإذن الله تعالى لا بالتحصينات لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِضَاۤرِّینَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾ [البقرة ١٠٢]

ولا يستطيع مخلوق ملك أو جن أو إنس يستطيع أن يبطل السحر لأن الله عز وجل تفرد وحده بإبطاله لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّاۤ أَلۡقَوۡا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَیُبۡطِلُهُۥۤ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾ [يونس ٨١]

فمسجد النبي صلى الله عليه وسلم أحصن المساجد وبيته أحصن البيوت ومع هذا دخله الشيطان بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويقرأ القرآن

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ عِفريتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عليَّ البارِحةَ -أو كَلِمةً نَحوَها- ليَقطَعَ عليَّ الصَّلاةَ، فأمكَنَني اللهُ منه، فأرَدتُ أن أربِطَه إلى ساريةٍ مِن سَواري المَسجِدِ حتَّى تُصبِحوا وتَنظُروا إليه كُلُّكُم، فذَكَرتُ قَولَ أخي سُلَيمانَ: (قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِی وَهَبۡ لِی مُلۡكࣰا لَّا یَنۢبَغِی لِأَحَدࣲ مِّنۢ بَعۡدِیۤۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ) [ص: 35]، قال رَوحٌ: “فرَدَّه خاسِئًا”.  [3]

كذلك جاء إبليس بشهاب من نار ليجعله في وجه النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي بالناس في مسجده فتعوذ بالله منه ولعنه ثلاث مرات فلم يستأخر حتى مكنه الله عز وجل منه فأمسكه وخنقه

روى أبو الدرداء فقال: قامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَمِعناه يقولُ: (أعوذُ باللهِ مِنك)، ثُمَّ قال: (ألعَنُك بلَعنةِ اللهِ) ثَلاثًا، وبَسَطَ يَدَه كَأنَّه يَتَناولُ شيئًا، فلَمَّا فرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قُلنا: يا رَسولَ اللهِ، قد سَمِعناك تَقولُ في الصَّلاةِ شيئًا لَم نَسمَعْك تَقولُه قَبلَ ذلك، ورَأيناك بَسَطتَ يَدَك، قال: (إنَّ عَدوَّ اللهِ إبليسَ جاءَ بشِهابٍ مِن نارٍ ليَجعَلَه في وَجهي، فقُلتُ: أعوذُ باللهِ مِنك، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلتُ: ألعَنُك بلَعنةِ اللهِ التَّامَّةِ، فلَم يَستَأخِرْ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أرَدتُ أخذَه، واللهِ لَولا دَعوةُ أخينا سُلَيمانَ لأصبَحَ موثَقًا يَلعَبُ به وِلدانُ أهلِ المَدينةِ!). [4]

فهؤلاء السحر الذين يزعمون التوبة كذابون فيما يقولون أن الشيطان لا يستطيع أن يقرب من تحصن بالقرآن والأذكار .. فلن يكون أحد أشد حاصنة من النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيته ومسجده .. وهذا لا يتعارض مع فضل القرآن في منع الشياطين .. لكن هناك استثناء مع قدر الله عز وجل .. ولسحرة الجن أساليب تخفى على غير المتخصص صاحب العلم والخبرة تمكنهم من اختراق أي إنسان وإن كان محصنا

كذلك يجب أن نعي أن قدرة الشطان على فعل الإيذاء والشرع لا يلزمن منها قدرته التسلط على جسم الإنسان وعقله .. أما الإيمان الصحيح باتباع الوحي المنزل فلا يستطيع الشيطان التلاعب به مهما بلغ كيده وقدرته الأفاق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِی لَیۡسَ لَكَ عَلَیۡهِمۡ سُلۡطَـٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِینَ﴾ [الحجر ٤٢] أي لا سلطان للشيطان على تغيير معتقدات من اتبع الوحي وإنما سلطانه على الغاوين فقط مهما حاول وبلغ من القوة .. وهذا لا يمنع أن حرب الشيطان على المؤمنين قائمة ومستمرة انتقاما منه أو محاولة اصطياد ثغرة قد يقع فيها المؤمن

لطلبات التشخيص والاستشارة ادخل الرابط المرفق

____________________________________

[1]  خلاصة حكم المحدث : [صحيح] | الراوي : عبدالله بن مسعود | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم | الصفحة أو الرقم : 2814

[2]  خلاصة حكم المحدث : [صحيح] | الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم : 5765

[3]  خلاصة حكم المحدث : [صحيح] | الراوي : أبو هريرة | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم : 461

[4]  خلاصة حكم المحدث : [صحيح] | الراوي : أبو الدرداء | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم

الصفحة أو الرقم : 542

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *